جيرار جهامي ، سميح دغيم

541

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان ، وما يتبع ذلك كله من نشأة الأمم وتكون الدول أو فناء بعضها واندراس أثره . هذا الفن الذي عدّوه من أجلّ الفنون الأدبية وأجزلها فائدة ، بناء البحث فيه على الاعتقاد بالقضاء والقدر والإذعان بأن قوى البشر في قبضة مدبّر للكائنات ومصرف للحادثات ، ولو استقلّت قدرة البشر بالتأثير ما انحطّ رفيع ولا ضعف قوي ولا انهدم مجد ولا تقوّض سلطان . ( محمد رشيد رضا ، محمد عبده 2 ، 267 ، 7 ) . - التاريخ اليوم صعب المراس لتنوّع أغراضه ، فكيف يعتمد على من يقرأ بضعة كتب في تاريخ العرب ، ويحكم على أهله ومدنيتهم ، ألا يعدّ من كان هذا شأنه من كتاب العامة ، لقلّة بضاعته ، فما الحال بما يصدره من الآراء ، وهو على رأي له قديم اصطنعه ، وما استطاع أن يتحلّل من قيوده ؟ وهذا فيما نرى ما دعا « رنان » ( Renan ) أن يقول إن التاريخ مجموعة ظنون أو علم صغير سداه ولحمته من الفرضيات البعيدة . وقالوا كل امرئ يحاول أن يدمج في التاريخ أفكاره من طرف خفي ، وأن يتصوّر الحقيقة ويخلقها ، وذلك لقلّة الوثائق التي تثبت على محكّ النظر ، ويحاول المؤرّخون أبدا أن يحيوا نظريات قائمة على نظريات أخرى ، ويدخلوا إلى روح أشخاص يجهلون مزاجهم ، وما ورثوه من تربية وأفكار ، ولذلك يصعب جدّا كتابة تاريخ عصر أو رجل . ( محمد كرد علي ، الإسلام والحضارة العربية 1 ، 5 ، 10 ) . - التاريخ ليس هو الحوادث ، إنما هو تفسير هذه الحوادث ، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها ، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات ، متفاعلة الجزئيات ، ممتدّة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان . ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسّرها ، ويربطها بما قبلها وما تلاها ، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقوّمات النفس البشرية جميعها : روحية وفكرية وحيوية ، ومقوّمات الحياة البشرية جميعها : معنوية ومادية . وأن يفتح روحه وفكره وحسّه للحادثة ، ويستجيب لوقعها في مداركه ، ولا يرفض شيئا من استجاباته لها إلّا بعد تحرّج وتمحيص ونقد . ( سيد قطب ، العدالة في الإسلام ، 254 ، 1 ) . - إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدّي إلى نتائج نظرية فحسب ، بل إلى نتائج تطبيقية تتّصل بسلوكنا في الحياة ، فهي تحدّد مواقفنا أمام الأحداث ، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها . ذلك أننا إذا نظرنا إلى التاريخ باعتباره مجرّد حوادث تتعاقب ، دون ما ربط جدلي بينها ، فإن هذه النظرة تؤدّي إلى نتائج معيّنة ، ليست هي التي تنتج عن نظرنا إليه ، حينما نعدّه سيرا مطردا ، تترتّب فيه الحوادث ترتيبا منطقيّا كما تترتّب عن الأسباب مسبّباتها . فإن النظرة الأولى تؤدّي إلى تسجيل ما يطرأ من حوادث في أنفسنا وفي مذكراتنا ، على أنه من حكم القضاء والقدر ، أي من حكم لا يد للإنسان فيه ، ولا يسعه أمامه سوى الإذعان ومسايرة الظروف ، أو